الراغب الأصفهاني
342
الذريعة إلى مكارم الشريعة
الحلم والعفو الحلم إمساك النفس عن هيجان الغضب والتحلم إمساكها عن قضاء الوطر منه إذا هاج ، ولما كان الحلم من تأثير العقل وغير منفك عنه صار يعبر به عن كل عقل ظهر فعلا كقوله عز وجل في ذم الكفار على سبيل التعجب منهم : أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ « 1 » ومتى أطلق الحلم في حق البارىء تعالى فإنه يراد به العمل بمقتضاه وهو العفو دون انفعال بعرض له ، ولن يتم حلم الإنسان إلا بإمساك الجوارح كلها ، اليد عن البطش ، واللسان عن الفحش ، والسمع عن استماعه ، « 2 » والعين عن فضول النظر ، وأقرب لفظ يستعمل في ضد الحلم التذمر . وأما العفو والصفح فهما صورتا الحلم ومخرجاه إلى الوجود ، والعفو : هو ترك المؤاخذة بالذنب ، والصفح : ترك التثريب ، واشتقاقه من تجاوز الصفحة التي أثبت فيها ذنوبه أو الإعراض بصفحة الوجه عن التلف إلى ما كان منه ، وهو محمود إذا كان على الوجه الذي يجب ولهذا قال تعالى : فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ « 3 » فخصّ تنبيها على ما يحمل منه وقد ندب اللّه تعالى إلى ذلك بقوله : وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ « 4 » فأمر بالحلم والعفو وقال : وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا « 5 » وقال : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ « 6 » وقال : فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ
--> ( 1 ) الطور / 32 . ( 2 ) « والسمع عن استماعه » سقطت من ط وحدها . ( 3 ) الحجر / 85 . ( 4 ) آل عمران / 134 . ( 5 ) النور / 22 . ( 6 ) المائدة / 13 .